الشوكاني
418
فتح القدير
الإسلام وتزهيدهم فيه ، وأيكم مرفوع بالابتداء وخبره زادته . وقد تقدم بيان معنى السورة . ثم حكى الله سبحانه بعد مقالتهم هذه أن المؤمنين زادتهم إيمانا إلى إيمانهم ، والحال أنهم يستبشرون مع هذه الزيادة بنزول الوحي وما يشتمل عليه من المنافع الدينية والدنيوية ( وأما الذين في قلوبهم مرض ) وهم المنافقون ( فزادتهم ) السورة المنزلة ( رجسا إلى رجسهم ) أي خبثا إلى خبثهم الذين هم عليه من الكفر وفساد الاعتقاد ، وإظهار غير ما يضمرونه وثبتوا على ذلك واستمروا عليه إلى أن ماتوا كفارا منافقين ، والمراد بالمرض هنا الشك والنفاق ، وقيل المعنى : زادتهم إثما إلى إثمهم . قوله ( أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ) قرأ الجمهور " يرون " بالتحتية . وقرأ حمزة ويعقوب بالفوقية خطابا للمؤمنين . وقرأ الأعمش " أو لم يروا " . وقرأ طلحة بن مصرف " أولا ترى " خطابا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وهي قراءة ابن مسعود . ومعنى ( يفتنون ) يختبرون ، قاله ابن جرير وغيره أو يبتليهم الله سبحانه بالقحط والشدة ، قاله مجاهد . وقال ابن عطية بالأمراض والأوجاع . وقال قتادة والحسن بالغزو والجهاد مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويرون ما وعد الله من النصر ( ثم لا يتوبون ) بسبب ذلك ( ولا هم يذكرون ) وثم لعطف ما بعدها على يرون ، والهمزة في أو لا يرون للإنكار والتوبيخ ، والواو للعطف على مقدر : أي لا ينظرون ولا يرون ، وهذا تعجيب من الله سبحانه للمؤمنين من حال المنافقين وتصلبهم في النفاق وإهمالهم للنظر والاعتبار ، ثم ذكر الله سبحانه ما كانوا يفعلونه عند نزول السورة بعد ذكره لما كانوا يقولونه ، فقال ( وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض ) أي نظر بعض المنافقين إلى البعض الآخر قائلين ( هل يراكم من أحد ) من المؤمنين لننصرف عن المقام الذي ينزل فيه الوحي ، فإنه لا صبر لنا على استماعه ، ولنتكلم بما نريد من الطعن والسخرية والضحك ، وقيل المعنى : وإذا أنزلت سورة ذكر الله فيها فضائح المنافقين ومخازيهم قال بعض من يحضر مجلس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للبعض الآخر منهم : هل يراكم من أحد ؟ ثم انصرفوا إلى منازلهم . وحكى ابن جرير عن بعض أهل العلم أنه قال ( نظر ) في هذه الآية موضوع موضع قال : أي قال بعضهم لبعض هل يراكم من أحد . قوله ( ثم انصرفوا ) أي على ذلك المجلس إلى منازلهم ، أو عن ما يقتضى الهداية والإيمان إلى ما يقتضى الكفر والنفاق ، ثم دعا الله سبحانه عليهم ، فقال ( صرف الله قلوبهم ) أي صرفها عن الخير وما فيه الرشد لهم والهداية ، وهو سبحانه مصرف القلوب ومقلبها ، وقيل المعنى : أنه خذلهم عن قبول الهداية ، وقيل هو دعاء لا يراد به وقوع مضمونه كقولهم : قاتله الله . ثم ذكر سبحانه السبب الذي لأجله انصرفوا عن مواطن الهداية ، أو السبب الذي لأجله استحقوا الدعاء عليهم بقوله - صرف الله قلوبهم - فقال ( بأنهم قوم لا يفقهون ) ما يسمعونه لعدم تدبرهم وإنصافهم ، ثم ختم الله سبحانه هذه السورة بما يهون عنده بعض ما اشتملت عليه من التكاليف الشاقة ، فقال ( لقد جاءكم ) يا معشر العرب ( رسول ) أرسله الله إليكم له شأن عظيم ( من أنفسكم ) من جنسكم في كونه عربيا وإلى كون هذه الآية خطابا للعرب ذهب جمهور المفسرين . وقال الزجاج : هي خطاب لجميع العالم . والمعنى ( لقد جاءكم رسول من ) جنسكم في البشرية ( عزيز عليه ما عنتم ) ما مصدرية . والمعنى : شاق عليه عنتكم لكونه من جنسكم ومبعوثا لهدايتكم ، والعنت : التعب لهم والمشقة عليهم بعذاب الدنيا بالسيف ونحوه ، أو بعذاب الآخرة بالنار ، أو بمجموعهما ( حريص عليكم ) أي شحيح عليكم بأن تدخلوا النار ، أو حريص على إيمانكم . والأول أولى ، وبه قال الفراء . والرؤوف : الرحيم ، قد تقدم بيان معناهما : أي هذا الرسول ( بالمؤمنين ) منكم